الآلوسي
418
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه ، وصح اللوم على الشغف قيل : لأنه اختياري باعتبار مباديه كما يشير إليه قوله : مازحته فعشقته * والعشق أوله مزاح وإلّا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله : يا لائمي في الهوى العذري معذرة * مني إليك ولو أنصفت لم تلم وقيل : اللوم عليه باعتبار الاسترسال معه وترك علاجه فإنهم صرحوا بأن ذلك من جملة الأدواء ، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا ، ومن أحسن ما ذكر له من ذلك تذكر مساوئ المحبوب والتفكر في عواقبه فقد قيل : لو فكر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه وتمام الكلام في هذا المقام يطلب في محله فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي باغتيابهن وسوء مقالتهن ، وتسمية ذلك مكرا لشبهه له في الإخفاء ، وقيل : كانت استكتمتهن سرها فأفشينه وأطلعن على أمرها ، وقيل : إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته والمكر على هذين القولين حقيقة أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تدعوهن ، قيل : دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع المذكورات ، وروي ذلك عن وهب ، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها وَأَعْتَدَتْ أي هيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس ، وهو من الاتكاء الميل إلى أحد الشقين ، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاء وأدغمت في مثلها ، وروي عن الحبر أيضا أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكئون له كعادة المترفين المتكبرين ، ولذلك نهي عنه ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئا ، وقيل : أريد به نفس الطعام قال العتبي : يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا ؛ ومن ذلك قول جميل : فظللنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله وهو على هذا اسم مفعول أي متكئا له أو مصدر أي اتكاء ، وعبر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازا ، وقيل : هو من باب الكناية ، وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزا بالسكين واختلفوا في تعيينه ، فقيل : كان لحما وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزا بالسكاكين ، وقيل : كان أترجا ، وموزا ، وبطيخا ، وقيل : الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو شيء شبيه بالأترج ، وأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من يقطع شيئا أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه ، وقرأ الزهري ، وأبو جعفر ، وشيبة - متكي - مشدد التاء من غير همز بوزن متقي وهو حينئذ إما أن يكون من الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت : توضيت ، أو يكون مفتعلا من أو كيت السقاء إذا شددته بالوكاء والمعنى اعتدت لهن ما يشتد عليه بالاتكاء أو بالقطع بالسكين ، وقرأ الأعرج متكئا على وزن مفعلا من تكأ يتكأ إذ اتكأ ، وقرأ الحسن ، وابن هرمز متكئا بالمد والهمز وهو مفتعل من الاتكاء إلّا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم ، ومنه قوله : وأنت من الغوائل حين ترمي * وعن ذم الرجال بمنتزاح وقوله : ينباع من ذفرى عضوب حسرة * زيافة مثل الفنيق المكرم « 1 »
--> ( 1 ) ومنه قوله أعوذ باللّه من العقراب الشائلات عقد الأذناب ا ه منه .